يواجه المسجد الأقصى منعطفًا بالغ الخطورة، في ظل مساعٍ إسرائيلية حثيثة لتغيير الوضع القائم حول ثالث أقدس المواقع الإسلامية، بحسب الباحثة أمينة شريف في مقال رأي نشره موقع ميدل إيست آي.
ويرى ميدل إيست آي أن التحذيرات من هشاشة الوضع القائم في المسجد الأقصى استمرت لعقود، لكن التطورات الأخيرة جعلت تلك التحذيرات أكثر إلحاحًا، مع انتقال النقاش حول تغيير إدارة الموقع، وتوسيع وصول غير المسلمين إليه، وصولًا إلى تغيير طابعه، من هامش الخطاب السياسي إلى صلب النقاش العام في إسرائيل.
وتخشى أوساط إسلامية أن تندرج هذه التطورات ضمن مشروع طويل الأمد لا يقتصر على إدارة المسجد الأقصى، بل يستهدف تغيير طبيعته بصورة جوهرية. وسواء كان هذا الاحتمال وشيكًا أم بعيدًا، فإن المسار الحالي يطرح سؤالًا ملحًا: ماذا يستعد المجتمع الإسلامي العالمي لفعله للحيلولة دون وقوع ذلك؟
وتزداد أهمية هذا السؤال بعد الحرب على غزة، إذ تابع المسلمون حول العالم، على مدار نحو ثلاثة أعوام، معاناة الفلسطينيين جراء مستويات هائلة من العنف والنزوح والحرمان والدمار.
غزة تكشف حدود التضامن الإسلامي
تابع المسلمون منازل تُهدم، وأحياء تُمحى، وعائلات تُباد، وسيادة سياسية تتآكل تدريجيًا. ورغم موجات الغضب والاحتجاج والتضامن الواسعة، ظل ميزان القوى السياسي على حاله إلى حد كبير.
ولا تقتصر أهمية غزة على فلسطين وحدها؛ فقد أعادت الحرب رسم حدود العنف المقبول في السياسة الدولية، وكشفت في الوقت ذاته حجم المعاناة التي يمكن أن يتحملها مجتمع مسلم من دون أن يدفع ذلك إلى استجابة جماعية وحاسمة من العالم الإسلامي.
وتبدو الإجابة، وفق الكاتبة، قاسية إلى حد بعيد: يستطيع المسلمون تحمل قدر هائل من المعاناة قبل أن يتحول الغضب إلى تحرك فعلي.
وتستشهد شريف بحديث يُنسب إلى النبي محمد، مفاده أن الأمم ستتداعى على المسلمين كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها، وعندما سُئل عن السبب أشار إلى «حب الدنيا وكراهية الموت».
وترى الكاتبة أن هذا الحديث يكتسب راهنية لافتة في ظل حالة الشلل التي طبعت جانبًا كبيرًا من الاستجابة العالمية للقضية الفلسطينية.
وتطرح شريف تساؤلات حول أسباب توقف التضامن في كثير من الأحيان عند حدود المشاعر والغضب والإجراءات الرمزية، ولماذا لم تؤد معاناة الفلسطينيين إلى تعبئة سياسية مستدامة تتناسب مع حجم الكارثة.
حين يتحول التمسك بالراحة إلى سلبية سياسية
قد لا تكمن المشكلة، بحسب المقال، في غياب الاهتمام، وإنما في الأولويات التي تحكم الحياة المعاصرة.
وتتساءل الكاتبة عما إذا كانت الوظائف والطموحات المهنية والأعمال قد استحوذت على اهتمام المسلمين، أم أن التعلق بالراحة والروتين والاستقرار الشخصي كان العامل الأبرز، فضلًا عن الرغبة في تجنب الجدل أو التدقيق أو المشقة، والخوف من التداعيات القانونية أو العزلة الاجتماعية أو الخسائر المهنية والسمعة.
وتوفر المجتمعات الحديثة طرقًا لا حصر لها للبقاء منشغلين؛ فالالتزامات الدراسية، وأقساط المنازل، والنوادي الرياضية، والارتباطات العائلية، والعطلات، واللقاءات الاجتماعية، فضلًا عن المشتتات الرقمية التي لا تنتهي، تستهلك أيام الناس.
ولا ترى شريف أن أيًا من هذه الأمور خاطئ في حد ذاته، لكنها تحذر من أن اجتماعها قد يصنع شكلًا من أشكال السلبية السياسية والأخلاقية، تتحول فيه الراحة إلى قيمة تتقدم على التضحية، ويصبح الأمان الشخصي أهم من التضامن الجماعي.
ويمكن فهم تحذير النبي، وفق هذا الطرح، ليس باعتباره تنبؤًا بالضعف العسكري فحسب، وإنما تشخيصًا لتراجع روحي وسياسي. فالمجتمع شديد التعلق بالأمان الدنيوي يصبح أقل استعدادًا لتحمل تكاليف الوقوف إلى جانب العدالة.
وعندما يرفض شعب تحمل المخاطر والمشقة دفاعًا عن الآخرين، فإنه قد يكتشف في نهاية المطاف أن أمنه الشخصي نفسه هش.
الأقصى والاختبار المقبل للعالم الإسلامي
لا تكمن رسالة غزة، بحسب شريف، في أن الفلسطينيين وحدهم عرضة للخطر، وإنما في أن المسلمين حول العالم شاهدوا هشاشة شعب بأكمله، لكنهم واجهوا صعوبة في تحويل الغضب الأخلاقي إلى قوة سياسية جماعية.
وبهذا المعنى، كشفت غزة أكثر من القوة العسكرية الإسرائيلية؛ فقد كشفت أيضًا، بحسب المقال، ضعف العالم الإسلامي.
وتكتسب قضية مستقبل المسجد الأقصى أهمية استثنائية لهذا السبب. فإذا لم تستطع المأساة التي شهدتها غزة إنتاج استجابة قوية بما يكفي، فما الذي يضمن أن يتصرف المسلمون بصورة مختلفة عندما يتعرض الوضع القائم في الأقصى لتحديات أكبر؟
وتقول الكاتبة، إن الخطر الذي يواجه المسجد الأقصى لا يأتي من الخارج فقط، وإنما يرتبط أيضًا بحالة المجتمع المسلم نفسه، وبمدى استعداده للتضحية والتنظيم والتحرك.
وتدعو السنوات الماضية المسلمين إلى مراجعة شاملة، لا تقتصر على ما جرى للفلسطينيين، وإنما تشمل أيضًا ما أخفقوا هم في فعله، والفرص التي أضاعوها، والمسؤوليات التي أهملوها، والتضحيات التي أحجموا عن تقديمها.
لكن التأمل وحده لا يكفي، بحسب شريف، إذ يمكن أن يتحول الندم نفسه إلى شكل آخر من أشكال السلبية إذا لم يتحول إلى فعل. ولا ينبغي أن يقود نقد الذات إلى إدانتها، وإنما إلى تجديدها.
وتخلص الكاتبة إلى أن درس غزة لا ينبغي أن يقود إلى اليأس، بل إلى العزم. فما مضى لا يمكن تغييره، لكن يمكن للمسلمين أن يقرروا ما سيفعلونه غدًا.
وقد يصبح المسجد الأقصى الاختبار الكبير المقبل؛ اختبارًا سيتوقف مصيره، ليس فقط على طموحات من يسعون إلى تغيير طبيعته، وإنما أيضًا على قدرة المسلمين على تجاوز أنماط الراحة والخوف والسلبية السياسية التي طبعت جانبًا كبيرًا من المرحلة الراهنة.
ولذلك، لم يعد السؤال، وفق شريف، هو ما إذا كان المسجد الأقصى في خطر، وإنما ما إذا كان المسلمون قد تعلموا شيئًا من غزة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/after-gaza-can-muslims-defend-al-aqsa-mosque

